ميرزا محمد حسن الآشتياني

91

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

بنى على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة ومنه يظهر فساد ما يقال في الفرق بين المقام والمثال من حصول العلم التفصيلي بالحرام في المثال وإن كان متولّدا من العلم الإجمالي بخلاف المقام هذا وقد تقدّم تفصيل القول في ذلك مشروحا في الجزء الأول فراجع إليه ( ثمّ ) إن ظاهر الكتاب بل صريحه نسبة الخلاف إلى صاحب الحدائق ولكن الذي يحكي عنه في تنبيهات المسألة لا تعلّق له بالتفصيل في المقام بل صريحه التفصيل بين كون المشتبهين مندرجين تحت عنوان واحد وغيره كما ستقف عليه فراجع إلى الحدائق لعلّك تظفر على مخالفته في المسألتين وإن كنا لم نقف عليها بعد المراجعة [ البحث في وجوب اجتناب الكل وعدمه ] ( قوله ) لنا على ما ذكرنا أنه إذا ثبت إلخ ( 1 ) ( أقول ) مما يحكم به العقل ضرورة بعد ثبوت الاشتغال على وجه اليقين وجوب تحصيل القطع بالبراءة مهما أمكن ولذا اشتهر بين العوام فضلا عن الخواص أن الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة وهو معنى ترك ارتكاب كلام المشتبهين في المقام والوجه في حكمه بذلك وجوب الدفع الضرر المحتمل الأخروي عنده كما يحكم بوجوب النظر إلى المعجزة لذلك وهكذا في جملة من الأمور وهذه القاعدة الظاهر أنها مسلّمة بين الكلّ وأما من لم يحكم بوجوب الاحتياط في المقام مع اعترافه يتنجّز الخطاب فإنما هو من جهة الأخبار الكاشفة عن عدم احتمال الضرر في فعل أحدهما حيث إن إجراءها بالنسبة إليه لا مانع عنه على ما يدّعيه حسبما ستقف عليه ( نعم ) ربما يجري في لسان بعض متأخري المتأخرين من الأصحاب عدم وجوب دفع الضرر المحتمل لعدم الدليل عليه لأن الذي يحكم به العقل هو دفع الضرر المقطوع أو المظنون وأما الضرر المحتمل فلا يحكم العقل بوجوب دفعه ولكنك قد عرفت فساده بما لا مزيد عليه في مطاوي كلماتنا السابقة [ في إثبات الملازمة بين حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعيّة ] ( قوله ) وبعبارة أخرى المكلف إلخ ( 2 ) ( أقول ) أراد بذلك دعوى الملازمة في نظر العقل بين حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعيّة فإن حرمة الأولى إنما هو من جهة تنجّز التكليف بالمعلوم بالإجمال عند العقل وقد عرفت أن العقل مستقلّ بأن طريق الامتثال بعد ثبوت الاشتغال وتنجز الخطاب هو الاحتياط المطلق وتحصيل الموافقة القطعيّة فالقول بالأولى وعدم القول بالثانية حسبما هو قضية دعوى الخصم مما لا معنى له ( نعم ) هنا مطلب آخر قد أشار إليه الأستاذ العلّامة في الجزء الأول من الكتاب وهو أنه لو فرض عدم حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل فهل يحكم بقبح المخالفة القطعيّة وعدم جوازها أو لا وقد بنى على حكمه بقبحها مع قطع النّظر عن حكمه بوجوب الموافقة القطعيّة لأن حكم العقل بدفع الضرر المقطوع لا دخل له بحكمه بدفع الضرر المحتمل وإن كان الثاني أيضا ثابتا عندنا هذا كلّه مضافا إلى إمكان القول بلزوم الاحتياط مع قطع النظر عن حكم العقل أيضا لدلالة بعض الأخبار عليه كالمرسل المروي في بعض كتب الفتاوي اترك ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس المجبور ضعفه بالشّهرة المحققة والإجماع المنقول المحكي في الكتاب عن جماعة وغيره من الأخبار التي ستمرّ عليك ( قوله ) قلت أصالة الحل غير جارية هنا إلخ ( 3 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن محصّل ما ذكره دام ظلّه في الجواب عن السؤال المذكور يرجع إلى وجهين أحدهما أنه بعد العلم الإجمالي لا يجري أصالة الحل في المشتبهين أصلا حتى يتحقق التعارض بينهما فيحكم بالتخيير لأن طريق الإطاعة في نظر العقل بعد تنجز الخطاب هو لزوم الاحتياط فلا معنى لورود الدليل الشرعي على خلافه هكذا استفيد من كلام الأستاذ العلّامة بالنظر إلى ما يقتضيه النظر الجلي في كلامه لكنك خبير بتطرّق المناقشة إلى هذا البيان لأنك قد عرفت منا ومن الأستاذ العلامة إن حكم العقل بلزوم الاحتياط معلّق على عدم ورود الدليل من الشارع على جواز ارتكاب بعض الأطراف في الشبهة المحصورة فالإذن من الشارع وارد على حكم العقل بلزوم الاحتياط فلا يمكن أن يصير لزوم الاحتياط مانعا من الإذن الشرعي فالأولى أن يقال في تقرير عدم جريان أصالة الحلّ بعد العلم الإجمالي أنه لا يخلو إما أن يجري بالنسبة إلى كلّ واحد من المشتبهين بالخصوص على سبيل اليقين بمعنى كون المراد من الأخبار إثبات الحليّة في كل منهما بالخصوص وإما أن يجري بالنسبة إلى كل واحد منهما على سبيل البدليّة والتخيير على ما هو مدعى الخصم وإما أن يجري بالنسبة إلى أحدهما المعيّن عند الله الغير المعيّن عندنا بمعنى كونه المراد من الأخبار وإما أن يجري بالنسبة إلى أحدهما الغير المعين الذي يرجع بالمآل إلى الثاني لا سبيل إلى الأول لمنافاته لا العلم الإجمالي مضافا إلى عدم قول الخصم به أيضا ولا إلى الثاني لعدم الدليل عليه عدا ما عرفته من أخبار البراءة وهي غير دالّة عليه قطعا لأن مفادها إثبات الإباحة في كل مشتبه على سبيل التعيين فإن قيل بشمولها لصورة العلم الإجمالي فلا بد من القول بجواز المخالفة القطعيّة والمفروض التسالم على عدم جوازها وإن قيل بعدم شمولها حسبما قضيّة التحقيق فلا بد من القول بعدم دلالتها على الإباحة في صورة وجود العلم الإجمالي أصلا ورأسا ولا إلى الثالث لوجوه لا يخفى على المتأمل مضافا إلى عدم نفعه للمستدل كما لا يخفى ولا إلى الرابع لأن أحد المشتبهين ليس فردا آخر مغايرا للمشتبهين وإنما هو مفهوم منتزع عنهما مضافا إلى أن الخصم إنما يريد إجراءها بالنسبة إلى كل من المشتبهين حتى يحكم بالتخيير من باب التعارض فتعيّن أن يقال بأن العلم الذي غاية للحليّة في أخبارها أعمّ من التفصيلي والإجمالي هذا ملخّص الكلام في الوجه الأول [ في أنه لا معنى للحكم بالتخيير بين الأصلين في المقام ] ( ثانيهما ) أنه بعد تسليم جريان أصالة الحليّة بالنسبة إلى كل من المشتبهين وتعارض الأصلين فيهما نمنع من جواز الرجوع إلى التخيير لأن مقتضى الأصل في تعارض الأصلين هو الحكم بالتساقط لا التخيير حتى لو قلنا بأنه الأصل في تعارض الخبرين كيف ولا نقول به وإنما نحكم فيه بالتخيير من جهة الأخبار الواردة به المذكورة في محلّها هذا وتفصيل الكلام فيما يتعلّق بالمقام يطلب ممّا كتبناه